الثلاثاء، 26 مايو 2020

الشاعر خضر محمود سيدأحمد (1930- 2019م)

الشاعر خضر محمود سيدأحمد (1930- 2019م)
آخر عملاقة الجيل الرائد لشعراء أغنية الطنبور

أحمد إبراهيم أبوشوك

إنَّ البشر يولدون ويموتون في كل لحظة، وتمتد أعمارهم بين فرحة الميلاد وفاجعة الموت؛ ويتعاظم فقدهم عندما يكون الفقيد شاعراً، كان يضئ ليال الآخرين بالحب والأنس، ويضع على طرقاتهم قصائده الحسان، لينشدها العابرون حسب مناسباتها المتماهية مع قضاياهم الحياتية بضروبها المتعددة. ونحن في هذا اليوم الثلاثاء الموافق 3 ديسمبر 2019م، نفقد شاعراً فطحلاً، عاش حياةً عامرةً بالعطاء والإبداع في فضاءات الأدب المنظوم، حيث ترك إرثاً شعرياً جدير بالعناية والتوثيق. والفقيد هو الشاعر خضر محمود سيدأحمد، الذي جادت قريحته بلوحات شعرية رائعة، انطلقت من بيئات قوامها خرير مياه النيل عند ساعات الغروب، وخضرة ضفافه العسجدية في نواحي السافل، ووجوه حسناواته النواعم في أعمار البكور، ورعود الصعيد وأمطاره الهواطل في سنار، وإخوانياته في جوبا ومريدي بجنوب السودان. إذاً من حقنا أن نستفسر ونسأل: من أين أتى هذا الشاعر الطموح؟ وإلى أي جيل ينتمي؟ وما فلسفة في الشعر ونظم القصيد؟ ما أشعاره التي خلَّدت منه علماً لامعاً في قاموس أغنية الطنبور، ونجماً ساطعاً بين أقرانه أمثال المرحوم حسن الدابي والمرحوم عبد الله محمد خير (شيخ العاشقين).

من أين أتى الشاعر خضر محمود؟
أتى الصبي خضر من حصاية جده العمدة أحمد شوك بمنطقة قنتي، ومن صلب الرجل العابد محمود سيدأحمد أمامه الذي يُرفع نسبه إلى عشيرة المشاويين فرع أولاد نصر، ومن ترائب الحاجة الصالحة فاطمة بت أحمد شوك، التي نذرت طرفاً من عمرها الزاخر بالعطاء لصون مسجد القرية العتيق ليكون على طُهره ونقائه. وُلُد خضر في هذه البيئة الصالحة العابدة بعد ثلاثة أعوام من تأسيس مشروع الكُلد الزراعي عام 1927م، وفي مرحلة بدأت تشهد المنطقة تحولاً تدريجياً في أنماط الزراعة التقليدية. تفتحت عيناه على قواديس السواقي التي كانت خير أنموذج لمفهوم "الاعتماد على الذات"، وأفضل تجسيد لشعار "نأكل مما نزرع"، فضلاً عن أنها ظلت تشكل معلماً بارزاً من معالم قرى الشمال المصطفة على ضفاف النيل، حيث تشكلت حولها حياة الناس، وعاداتهم الاجتماعية، وقيمهم الاقتصادية. تعرَّف خضر في هذه البيئة الزراعية على هندسة الساقية، وتدابيرها، وأسماء أطرافها؛ وتفقه في قراءات مناسيب النيل في أوقات الدميرة، وأساليب الري، والزراعة، وتربية الحيوان؛ وشارك أهل القرية في أساطيرهم ومعتقداتهم التي أفرزها التصاقهم الوجداني بالساقية، وجعلهم ينذرون إليها النذور، ويعلقون عليها التمائم بغية الفال الحسن. وإلى جانب هذه المعارف التراثية حفظ خضر طرفاً من أغاني "الأروتي" في الفجراوي، والضحوي والعشَّاوي، وإنشاد "التربالة" في مواسم الحصاد، وإعداد البوقة (أي الأرض) للموسم الزراعي القادم، وتعرَّف على معايير قسمة العائد المادي بين الإنسان، والحيوان، والآلة.
في هذه الفضاءات المعطرة بأنفاس المزارع المروية، وخرير جداولها الدافقة على جنباتها، وأنغام قماريها المغردة على أشجار نخيلها الباسقات، بدأ الخضر ود محمود ود سيدأحمد تعليمه الأولي حواراً بخلوة الشيخ مصطفى سيدأحمد بابوش، التي كانت تقف شامخة بجوار مسجد القرية العتيق، حيث نداءات آذانه التي أضحت تشكل جزءً من وجدان القرية النابض في مغاربها وعشياتها، وعندما يتبين خيط صبحها الأبيض من سواد ليلها الساكن، معلناً بزوغ فجر جديد وأداء صلاة مفروضة، وتجديد يومٍ باكرٍ في حقول السواقي العامرة بعطاء صمودتها، وترابلتها الذين شمروا عن سواعد جدهم لتحقيق كسب مشروع، ورزق حلال طيب لذراريهم وعشائرهم الأقربين. وبين خلوة الشيخ مصطفى سيدأحمد وخلوة الخليفة أحمد كورينا درس الخضر طرفاً من القرآن الكريم، ثم آثر الهجرة إلى خلاوى أبو دوم قشابي، حيث درس على فضيلة شيخها محمد طه إدريس مبادئ اللغة العربية، وطرفاً من الفقه على مذهب الأمام مالك بن أنس، وشرع أيضاً في حفظ القرآن الكريم. وقبل أن يستقيم ميسم حفظه للقرآن الكريم تمرد الحوار الخضر على "القرآية أم دق"، وطلق حلقات الذكر والذاكرين، وهجر نيران الفيض القرآني، دون إذعان لرغبة والديَّه وأهل قريته الذين كانوا يحلمون بتخرجه عالماً بين ظهرانيهم. وبعد قرابة خمس سنوات من الهجر والعزوف الشبابي في طلب العلم ومجالسة العلماء قرر صاحبنا الهجرة إلى الصعيد، للبحث عن رزق أفضل، كعادة أقرانه من شباب ذلك الجيل الفريد. وبفضل هذه الهجرة عاش شاعرنا مشدوداً بين قيم الصعيد والسافل، إلى أن وضع عصا الترحال عن العاتق بضاحية الشقلة بمحلية الحاج يوسف بالخرطوم بحري.
الخضر من المسيد إلى نظم القصيد
ظهرت ملكة خضر الشعرية منذ نعومة أظفاره، وعمره بين العقد الأول والنصف الثاني، إذ أنشد قصيدة اسمها "المجمّر لونها"، ومطلعها يقول:
المجمل لونها لي بت يحمد العرجونة
 الفنجان صغير في عيونها
 والفضة المصفا سنونها
 والدهب المجمر لونها
****
 منك نظرة يا شفافة
 لو كان المريض يتعافى
 أنت المنقة والجوافة
فهذه القصيدة رغم بساطة كلماتها، إلا أنها تدل على ملكة الشاعر الأدبية الباكرة، التي لم يحبذها والده العابد الشيخ محمود سيدأحمد آنذاك، لأنه كان يمنيَّ نفسه أن يوظف ابنه الخضر تلك الملكة الأدبية في حفظ القرآن وتجويد التراث الإسلامي، ومن ثم كان رد فعله سالباً عندما سمع بهذه القصيدة، إذ أنه شد وثاق الشاعر، وعاقبه على وثبته العفوية في قرية كانت تنظر إلى مثل تلك الإشراقات الرومانسية والغزل الصبياني البريء بعين الريبة والحذر. فلا عجب أن هذه العقوبة قد هيجت شيطان شعره الجامح، ودفعته لإنشاد قصيدته المشهورة بـ"نوارة قنتي" عام 1957م، والتي شكلت انطلاقة نوعية في تاريخ حياته الأدبية وتطور أغنية الطنبور، علماً بأن الشاعر الطموح لم يكن طالب شهرة، أو متكسبٍ بترويج أشعاره. وقد نظم تلك القصيدة بكفاءة أدبية عالية، قلد فيها نظم الموشحات الأندلسية؛ لأنه جعل سُداها يعتمد على حزمة من القوافي المتناوبة، والمتناظرة وفق نسق شعري جذَّاب، يعلو فيه جرس الطباق، وسلاسة الجناس، والاستعارات المكنية، والرمزية الجامعة بين صفات المحبوبة وتشبيهاتها بجماليات البيئة الزراعية المعششة في مخيلة الشاعر، ومشاعره المسكونة بحب الريف، فضلاً عن محاولاته الدءوبة لإخراج مفهوم الحب الذي استهجنه الناس أجمعين إلى دائرة المباح التي تجعل اللقاء بينه والمحبوبة لقاءً ميسوراً، لكن لا حياة لمن ينادي في باحات ذلك المجتمع الريفي وتقاليده العصية. وفي إطار هذه المقدمة الموجزة نعرض أبيات القصيدة كاملة إلى القارئ الكريم، علها توضح ما ذهبنا إليه من زوايا مختلفة، وتعكس مجمل اللوحات الفنية التي نظمها الشاعر، مُعبراً عن تيمه المكتوم، وعشقه الصادق لي "قصيبة لفت الجزيرة".
نوارة قنتي
 جوهرة الشباب إنتي
 ورداً نادي....... ومشتي
 بي ألوانك......... بهرتي
 وبي أنوارك...... جهرتي
 وزي المارشال ظهرتي
 من صيد الوادي... إنتي
 هبلتيني......... وجفلتي
*****
 الفي قلبي.... مطبوعه
 شتيلة منقة.... مزروعه
 صغيره ولينات... فروعه
 سألت غفيره من نوعه
 قال لي.... ليك ممنوعه
 والخوه معاك مقطوعه
*****
 قصيبة.... لفت الجزيره
 خدره وقاسي تفسيرها
 ودايماً... غضبان غفيرها
 يلاقي الناس.. بتكشيرها
 بفكر...... ألف تفكيره
 وبقوم أفتح معا السيره
*****
 المحجور.........إذن صرفو
 خدار متاكي... في جرفو
 ياء الكية ..........من حرفو
 وحاجبو هلال كحيل طرفو
 كل العشاق.......... يغرفو
 ويشربوا .. من بحر وصفو
*****
 في الحِلّه .... الدوام حافلة
 باقوم لها ....أسبق القافلة
 ولي الله بصلي في النافلة
 ألقاك ........في دلال رافلة
 وبعيد رامي الهدم... غافلة
 يا صيدة الخلا .......الجافلة
*****
 سلام يا الكوكب... الضاوي
 وسلام يا الفرع ....المناوي
 وسلام يا أم حباً ...سماوي
 حبك لي جسمي.. شاوي
 ومألِم في القلب..... كاوي
 وشُفتِك ليّ.......... بتداوي
*****
 تعال أسمع ليْ....... روايه
 وشوف السبب......... أذايا
 جميلة جماله..........للغايه
 وعظيمة ......ومخلوقة آيه
 فريع مشتول ....بي عنايه
 فرهد وقام في... الحصايه
*****
 حبِّك فوق........ من العادة
 وجمالك راجح......... زيادة
 ولو كان خلُّوكِ........ سادة
 تعطلي ناس في .. العبادة
 فُصوده من النور ....مداده
 وتطمِّع فيها........ حساده
*****
 آه يا زهر ............الحديقه
 النجفة الضوّت....... فريقه
 حمامة الجبل .....الطليقة
 مشيتك قاسي.... تطبيقه
 وزي نغمات ......الموسيقه
 وحرقتي العُشاق حريقه
*****
 آه انا ديمه......... في أنّه
 ومنك ما يقولوا .......جَنّه
 أنت رمان منو....... أزمنا
 جديد ما قام عند أهلنا
 وجايبو ملاك ...من الجَنّة
 وبروح لي أمو.... تتمني
*****
 شبه الريل ...في خلاهو
 وشبه الوزّ... في مياهو
 وانا المكتول بي هواهو
 ومن لونو ....ومن نداهو
 بديع ماب أقدر ....غناهو
 دايماً أكتبو ....وأنساهو
*****
 خلاص خليتو ..... ميدانك
 انا المارِضْني....... رُمانك
 ومعلِّقه روحي.. طيقانك
 وشايته مزاجي سيقانك
 ومحير عقلي.... لمعانك
 وتسريح شعرك ودهانك
لا غرو في أن هذه الموشحة المكتنـزة جمالاً والمنبسطة عشقاً قد وجدت قبولاً واسعاً في الوسط الشعبي آنذاك، حيث تداولها الناس في مجالس إمتاعهم ومؤانساتهم الراتبة تحت أشجار نخيلهم السامقات، وعلى تلال رمال حلالهم المصطفة على ضفاف النيل، ولياليهم البيضاء بيض قمرها الساطع. في ذلك الوقت كان الإعلام يقوم على التداول الشفهي، متواتراً أو مشهوراً، لكنه لم يخرج عن دائرته المحلية إلى مصافي الشهرة القُطرية الواسعة؛ إلا عندما صدح الفنان النعام آدم "بنوارة قنتي" عام 1959م، وجعلها أنشودة يتغنى بها أهل البوادي والحضر في مواسم أفراحهم، ويربطون موطنها بتلك القرية الوادعة على ضفاف النيل (قنتي)، دون أدنى إشارة إلى شاعرها الطموح الذي أنتج لهم تلك الموشحة ذات الجرس الشجي، والقوافي الأندلسية الحالمة، أو تصريح مباشرٍ باسم المحبوبة، التي كانت تمثل ذروة سنام مقصد الشاعر وهدفه النبيل؛ لأن التصريح بأسماء الحسان كان يعد من المحرمات الخمس في ذلك الريف القصي، المتنكر لحقوق العاشقين.
الشاعر الطموح بين سندان العرف ومطرقة العشق
عاش الشاعر حضر محمود كسائر أبناء جيله في ذلك المجتمع الذي كان يَعُدَّ البوح بالحب سلوكاً ناشزاً عن تقاليد الناس وأعرافهم، وإن الغزل الصريح في حسناوات القرية نوع من أنواع الكفر الصراح، لذلك واجه شاعرنا النقد والعتاب من أولئك الذين سلخوه بألسنة حداد، وصنفوا أشعاره الغزلية في قائمة المحظورات؛ إلا أن تلك المواقف الناقدة لم تمنعه عن مواصلة مسيرته الشعرية التي انداحت دائرتها ما وراء أسوار قريته الحصينة. وعند ذلك المنعطف خطاب المعارضين برائيته المشهورة بـ "الدِفَيْق"، والتي يقول مطلعها: "مَقْسُومْ لِيَّ ومُقَدَّر ... الحُبْ والغَرَامْ مَكْتُوبْ مَسَطَّر". وبذلك حاول أن يقدم إليهم عرضحال ضافي البيان، عرض فيه واقعه العاطفي المتأزم الذي لا يمكن معالجته بالكتمان، والتمس لنفسه عذراً عند أولئك الذين لا يقاسمونه الشعور نفسه، ولا يحسون بإحساسه المُسيَّر في فيلق الحرمان، والذي لا يمكن الفكاك عنه إلا باستجابة صادقة من صاحبة الكيل الحسن، وأهلها الذين يقفون غفراً على سلوك العاشقين والطامعين في التقرب إليها زلفى. وفي ذلك يقول:
بي حُبُّو ابْتَلانِي ... عَلَيْ تَجَسَّر
 غَيَّرْ حَالِي ... فِي أفْكَاري أثَّـر
*****
 هَالِكْنِي الدُّقَاقْ... الشَّبَّ خَدَّر
 طَالِقْ سَاخِي... مَا قَامْ مَكَـدَّر *****
 عَارفْ حُبِّي لِيهُو .... اتْعَالَى وتَأمَّر
 حَرَّقْ قَلْبِي ... فِي اللَّهَبْ المَجَمَّر
******
 قالْ خَلاصْ أصْبَحْ أسِيرْ الحُبْ مَكَنْتَر
 أقُولْ أنسَاهُو منْ حَظِّي المَعَسَّــر
******
 أحِسْ بِي قلْبِي مَايِلْ لِيهُو أكْتــر
 وانْفَلَتْ اللِّسَانْ لِي الدَّاسُّو فَسَّــر
******
 ودَمْعَ العينْ... مَعَ ذِكْرَاهُو بتَّـر
 وانْكَشَفْ المَخَبَّا ..... الكَانْ مَسَتَّر
******
 القَالْ نِسينَاكْ ... غـَـشَّ زَوَّر
 كِيفِنْ نَنْسَى حُبَّاً ... جَرْحُو غَوَّر
هكذا كان جرح تيم الشاعر الطموح جرحاً غائراً، حاول معالجته بخطاب ضمني إلى المحبوبة التي كانت تعيش في واقع لا يقدر أهله تطاول العاشقين بأعناقهم فوق أسوار قريتهم الحصينة، وخطاب رمزي آخر إلى ولي أمرها الذي كان يشكل موقفه المتعنت جزءاً من ذلك المجتمع الذي لا يقبل جدل الخطاب الصريح في قضايا العواطف الجياشة، وفي ذلك يقول:
يَقُوقِي دَبَاسَه فُوقْ كَرُّوقو زَمَّر
 ومِنْ الطِّيرْ وقَفْ حَرَّاسَه شَمَّر
 مَهَبْهِبْ دَابُو صَمَدُو عَلِيهو غَفَّر
 يَنْهَرْ تُورُو عِنْدَ الشَّايَه حَــفَّر
بذلك قد استطاع الشاعر الطموح أن يفرض تحدياً غير مسبوق في ذلك المجتمع الريفي، إلا أن استجابة ذلك المجتمع والمعنيين بالأمر فيه كانت استجابة ضامرة، لم تلامس طرفاً من تطلعات الشاعر وطموحاته المشروعة، فكان جزاء عشقه أن أعطيت المحبوبة إلى صاحب حظوة آخر لم ينشد في شأنها قافية واحدة. ولذلك نعى الشاعر كيل حظه الباخس، في قصيدته المشهور بـ "شتل الكُرُش"، والتي ينشد في بعض مقاطعها قائلاً:
صدقني يا ملك النخيل غنينا لي ناس ما بساولك ظفر
 غنينا بي آخر مزاج لي ناس يحبوهو الشكر
 لكن وقت بقو للحصاد حرمونا منو وأدهو لي ناس كُتر
 يا بختهم ديل ناس سعاد والدنيا مداهم شطر
 وجزانا كان جرحاً بليغ فوضنا لي الله الأمر
 وفضلنا صايمين السنين لليوم ده ما لاقين فطر
الشاعر خضر ومظالم الدهر الثلاث
عاش الشاعر خضر محمود ثلاث مظالم مرهقة على امتداد تاريخ حياته الأدبية العامر بالعطاء، ويأتي في مقدمتها حبه الصادق لذلك "الفريع المشتول بي عناية ... فرهد قام في الحصاية"، إلا أن خواتيمه لم تتبلور في شكل علاقة ثنائية قوامها المودة والرحمة، بل كانت على النقيض، إذ زُفت معشوقة إلى صاحب حظوة آخر، وبذلك أضحى الشاعر صائماً السنين دون أن يتوج ذلك الصوم بفرحة فطر ترد غربة ذاته الضائعة في بيداء عشقه العفيف. وتتجلى المظلمة الثانية في أن كل قصائده المغناة، مثل "نوارة قنتي"، و"فريع البان"، و"الفوسيب"، و"الدفيق"، كانت تُنشر وتُذاع باسم مغنيها الفنان المبدع النعام آدم دون أدني إشارة إلى الشاعر والملحن لمعظم قصائده، خضر محمود. فيبدو أن هذا الغبن الإعلامي قد دفع شاعرنا إلى رفع قضية حقوق أدبية ضد وزارة الثقافة والإعلام، في ستينيات القرن الماضي، وكسب القضية، ومنذ ذلك التاريخ أضحت أسماء الشعراء تذكر مع قصائدهم المغناة عبر وسائل الإعلام الرسمية. وكان أكثر مظالمه الثلاث فداحة مظلمة فضيان النيل عام 1988م، حيث غمر التساب معالم "الحِلَّة الدوام حافلة"، وطمس ربيع أطلالها ودمنها التي كانت تشكل جزءاً من حياة الشاعر خضر محمود، وأغرق بساتينها الخضراء، وأشجار نخيلها المثمرات. وبهذا الكيل الباهظ الثمن هجر أهل القرية مزارعهم ومساكنهم التي أضحت أثراً بعد عين، وشد بعضهم رحاله إلى أطراف المدن. وفي خلال فترة هذا الجور والترحال فقد الشاعر الطموح كثيراً من أشعاره التي كانت مدونة في العديد من الدفاتر والكُراسات، ولم يبق منها إلا المشهور والمتواتر بين الناس. لذلك كانت غضبة الشاعر غضبتان، غضبة الفقد والدمار، وغضبة تجاه النيل الذي كان يمثل مبعث إلهامه الموحي بالجمال، فبين ضفتيه تنبسط فواسيب "الجزيرة الموجه دفَّر *** رشرش برَّه نطَّ القيفه طفَّر"، وتقرقر مياهه العذبة خريراً في جدولها المنحدرة، لتروي شتل "الكُرُشْ الفدع عرجونو جرجر *** مالمسوهو من الناس مُحجّر". بهذه اللوحة الفاقعة في الجمال والمنبسطة على رمال الرمزية الزاهية كان النيل موحياً بالفن والعطاء في نظر الشاعر خضر محمود، ومعطياً حياة أهل الريف طعماً ومذاقاً خاصاً، لكنه عندما جار عليهم، وأخذ منهم صاع العطاء بصاعين من الدمار، تضاعفت غضبة الشاعر المازجة بين بالنقيضين، ودفعته لإنشاد لامية عصماء، تقول بعض مقاطعها:
يا أرض يا بنت النيل
 وثقافة جيل عن جيل
 والصخر الحفر والأزميل
 والساقية التروي القنديل
نعم، أن نقص الملبس والمسكن والثمرات يمكن أن يُعوض، ولكن نقص الأنفس والأشعار بدائله عصيَّة، وعِوَضَه مستحيل، لذا تبقى لنا كلمة مناشدة أخيرة للمهتمين بصون أغنية الطنبور والشعر القومي الأصيل أن يتعاونوا في جمع أشتات أشعار الشاعر خضر محمود المتناثرة بين صدور الحفاظ ومخطوطات قديمة، ويطبعوها في دواوين تخليَداً لأسمه وذكراه، قبل أن يندثر هذا التراث الأدبي العظيم في أوساط أناس قتل المشافهة إنتاجهم الأدبي. ألا رحم الله الشاعر خضر رحمة واسعة، واسكنه فسيح جناته مع الصدقين الشهداء وحسن أولئك رفيقاً. والعزاء لكل أهلنا الطيبين نواحي السافل والصعيد. "إِنَّ لِلَّـهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّىً."

الاثنين، 11 مايو 2020

[ سوق قنتي ___ عبق الماضي وذكري الحاضر ]

      ( ٥ )      
 بقلم/ أحمد محمد مكاوي الشيخ

 التاريخ ~ 
 الخميس  الموافق السابع  من  شهر مايو من العام ٢٠١٧ م _
الشمس تميل نحو الافق الغربي وتحيله   الي اللون الاحمر ~
تمتد ظلال الاشياء طويلا وتتداخل مع بعضها .
الناس يخرجون جماعات وافراد من بين اشجار النخيل نحو بيوتهم ~
 الشارع مغبر ومزدحم بالسيارات ومواتر التكتوك  وعربات الكارو   التي تحمل البرسيم الي حظائر  الماشية          
   انا  والاخ حمدي   ننهي عملنا بعد  ان طليلنا بوابه النادي الجديد بالدهان الازرق والابيض شعار النادي ~
الكل يسلم علينا ___  ونرد عليهم السلام ~
 يكتفي حمدي احيانا برد السلام ويعلق مرات علي بعضهم ويتبعها  بقهقه من داخل قلبه ترج المكان وتهزه ~      
      
الاخ حمدي انسان طيب    ~
مظهره كمثل جوهره    لاتناقض بينهما   
  نبدا  نلملم ماتبقي من علب الطلاء .
وبدون مقدمات  يفقد حمدي توازنه ويترنح   ثم يركل علبة الطلاء     برجله   وبقوة  دون  قصد   منه  ويقذفها   بعيدا  ~
  ينفتح غطاؤها   المحكم  ويسيل  ما تبقي فيها   من  طلاء علي الارض 
ونضحك ______
في هذا الاثناء يتوقف  احدهم بالقرب مننا  وهو راكب علي حماره   يحمل فاسا يضعه قي السرج امامه وهو يضحك ثم يعلق بعد ان شاهد ركلة حمدي  للعلبة 
 [ كتش  سجل حمدي ده  في الفريق ~ الزول ده   شواات   ينفع مهاجم ]
حمدي يتوسع في ضحكته المميزه  ويتردد صداها في المكان   ~
     طلبت من حمدي  ان ياتيني بمسمار او حديده لفتح علبة الطلاء (البوهيه) لنصب مابها من طلاء في علبه واحده _
نبش اخوانا حمدي في باطن الارض بحثا عن مايعيننا علي فتح العلبه  وكانت المفاجاة ان التقط حمدي  قطعه من عملة معدنيه مشرشرة الاطراف نظفنها لنقرا ماعليها من كتابه .
مكتوب في اعلاها  
جمهورية السودان  وفي اسفلها (خمسه مليم )
ومطبوع في الجهة الاخري  جمل عليه  فارس  مدجج يحمل مجموعه من الحراب وتحت هذا الفارس  سرج  تتدلي منه مخلاية ممسك برسن جمله الذي يبدو واسع الخطوات          
        كنا   نسمي هذه الجهة من العمله(طره) اما الجهة الاخري فهي (كتابه) 
        عرفنا  قيمة العمله  التي تحصلنا عليها  انها (تعريفه)
 وبينما نحن نقلب هذه التعريفة        بين  ايدينا   بدات   الذاكره  ترجع    بنا  بعيدا   عبر السنين  ثم تنزاح ستارة النسيان   وتظهر  لوحة قديمه باهته لهذا المكان ثم نعصر الذهن وننشط الذاكره   واخيرا تصبح   الصورة   اكثر وضوحا  بكل  تفاصيلها  وتمر امامنا  كانها شريط سينمائي  صوره من  العقد السابع من القرن الماضي               المكان  هنا    كان     ضاج بالحركة        
 حيث  يوجد  هنا        مخبز  التعاون (الطابونه) 
       تحت ادارة عمنا      الحاج الحسن عليه الرحمه ______
وهذه التعريفه كان لها  قيمتها في ذلك الزمن الجميل    ويمكنك ان    تشتري  بها رغيفه كبيره   تشبع رجل  عاقل 
  او  بقيمتها يمكنك  تشتري  اربعة قطع  من الزلابية  المعتبره ~
   قال لي حمدي هذه التعريفه   ربما   تكون  سقطت من بين يدي الفران الذي كان يعمل هنا  داخل الطابونه في ذلك الزمن  وهو يهم بمراجعة الحصاله  اليوميه   وكان  لقبه    (برم)
وهو من اهالي  (قوشابي) 
او ربما ضاعت من احدهم جاء يشتري رغيفا ~
      قبل شهور    كتب   الاخ  خضر سيداحمد بان  السوق  كان ينعقد هنا  في هذا الفضاء   قبل ان يتم بناؤه  في بداية الخمسينات من القرن الماضي  ثم ينفض في بضع ساعات وشبهها ساخرا  كان الناس دفنوا ميتا وذهبوا لضيق ساعات الانعقاد ~~  
وانا اهم ان اكتب عن هذا السوق  امدني بقصاصة من جريدة  فيها رساله كتبها الرشيد قرجه  الي جريده الصراحه وقد كان مراسلا لها  جاء في الرساله ____
[ صادق مجلس ريفي مروي بفتح سوق قنتي وقد جاء لمعاينة محله البكباشي احمد افندي ادريس ضابط المجلس ]
 التوقيع (الرشيد قرجه ___
جريدة الصراحه ___ ١٩٥٠م) 
وقد كان عمنا الرشيد قرجه   مراسلا  لكثير من الصحف ويمتلك مكتبه عامره استفدت  منها  كثيرا  في بداية حياتي ولكن للاسف غرقت في مياه النيل بفعل الفيضان كما ذكرت سابقا ~
ولهذه حكاية ___
قص   لي اهل بيتي لاحقا ( وقد كنت باليمن ايام الفيضان )
 كان ذلك يوم مشهود  وقد حشر الناس فيه ضحي بين  القبور مع دوابهم  وحاجياتهم ~  وبينما الماء يتدفق خلال  الشوارع جاءت  عمتي زبيده سعيد الشيخ وهي زوجة الرشيد قرجه   الي دارنا  لتتفقد الوالد عليهما الرحمه  وهو ابن عمها وكانت تحبه وتقدره ~
 وعندما سالها عن عفش بيتها ليطمئن عليه حيث كانت تسكن  لوحدها في تلك الايام. ~  
قالت ما مشكله  (المفتاح في طرفي ) 
ظنا منها بان الماء لن يطال البيت لانه كان مبني بالطوب الاحمر   !!
 ولكن بعدها  بلحظات انهار المنزل فوق العفش واتلف المكتبه  
الرشيد قرجه كان يعمل اداري ومحاسب في دائرة السيد علي الميرغني بالخرطوم وكما ذكرت كان رجلا مثقفا وكاتبا بارعا لقد قرات كثير من الوثائق التي كتبها وكان واجهة وعنوانا للبلد وله الفضل في تخطيط شوارع ومنازل حي السوق القديم ما زالت بصمته واضحه للعيان في ما تبقي من شوارع حي السوق التي لم تهدم بواسطه الفيضان ~
كان العمده محمد هو من يصدق القطع ويوزعها الرشيد قرجه وقد اعتمد عليه العمده في كثير من الاعمال ~
كان رجلا فريد سوف افرد له صفحات لاحقا ~~      اكتمل  بناء السوق في شكل  الحرف الانجليزي [  U  ]
  وكان من يومها  مكتمل الاركان مكتظ بالبضائع والباعة  ومشهود .             كان ينعقد يوم الاحد من كل اسبوع لذلك سمي (سوق الاحد)   ياتي اليه  الناس من كل القري المجاوره من الغابة الي كورتي ومن العفاض وابكر   حتي كوري شرق النيل.   ___
ثم لاحقا  اضيف يوم الاربعاء ليكون   يوما اخر للانعقاد  حتي    صار  يفتح        يوميا  ~
ببضائعه المتنوعه           تصطف  متاجره  تراتبيا  كالاتي 
   اولا ~~ الصف الجنوبي وانت متجه من الشرق الي الغرب بداية ب_____
دكان ود علي كان يشغله الحاج عوض النور 
ثم دكان  هاشم النقيب 
 بكري حسن
  محجوب محمد  علي
 محجوب بابكر 
 الحاج الحسن الهجوج 
ويليه  عباس ضرار بمشاركه مع الحاج  سيداحمد قرجاب
ثم دكان اخر  للحاج سيداحمد قرجاب   
مرورا بدكان يوسف محمد صالح فقير 
ثم اخيرا في هذا الصف دكان   بشير كايه ( من ابو دوم قوشابي )
ثم يوجد ممر يودي الي حي    القرجاب وحي الدوداو ~~
 الصف الغربي  من الجنوب الي الشمال يبدا   
بدابة  بقهوة خلف الله موسي 
ثم دكان  نصر قرجاب
 ثم دكان علي الشيخ من  (ابو دوم قشابي)  كان يباع فيه بجانب البضائع بعض الادويه اهمها (حقن البانسلين)
 يليه دكان  محمد فقير نصر الله 
 مرورا بدكان  محمد موسي ادم (ود موسي)
ومن ثم دكان  علي حسن محجوب 
يليه   محمد سيد التور 
 وتواليا دكان  محمد عمر محمود (ود عمر)
 وعبده علي ابوشام
 ثم  بابكر العوني 
حتي تصل دكان   عبد الهادي من اهالي (ابو دوم قوشابي)  وكان  تاجر اجمالي دكانه مكتظ بالبضائع 
واخيرا   قهوة بابكر الخير  
( اشتراها في مابعد جدنا الحاج عثمان عيسي )
 كانت مستاجره  للحاج سر الختم بشير والد الباشمهندس ضياء وكان يمارس   مهنة الخياطه _
 اما اذا بدانا الصف الشمالي من ناحية الشرق   ~
 نبدا  بدكان محجوب بادي والذي كان مؤجر لمصلحة البريد (البوسته)
والذي توقع  التجار علي ان يفتح توكيله  هذا  العام ١٩٥١م   حسب ما جاء في  رساله الحاح الرشيد قرجه الي جريدة الصراحه ~
 والتي جاء فيها ايضا ______
شكوي المزارعون من قلة محصول البلح مع الرجاء من الحكومة بتخفيض ضريبته ~
وقد بلغ سعر كيلة البلح ٢٦  (سته وعشرون) قرشا ~
اما كيلة الذره سعرها ٢٠ ( عشرون قرشا ) 
نعود التي ترتيب الدكاكين ~
 يلي دكان (ودبادي) 
دكان  ابراهيم بيضاب ~
ثم دكان اخر  لمحجوب بادي   ولهذا حكاية يقال بانه كان يتبع للامين (كنوز) ثم باعه (لعيسي طه) الذي باعه لودبادي وعندما   استنكر الحاج   (عثمان عيسي) هذا البيع سال   الحاج (عيسي طه) 
لماذا تبيع دكانك ؟
وكان رد  الحاج عيسي طه _____
 انا سالت بعض الناس  قالوا   ( مافي   سوق فيه كتاحه بيعمر )   !!!
ويليه  دكان  احمد هاشم
 ثم دكان  جدنا عثمان عبد المطلب [ استغله جدنا بدوي ~ ثم الرشيد فتح الرحمن واخيرا  محمد احمد البشير (الافندي) وهو رجل مثقق عالم درس بالازهر ثم عمل بالتعليم داخل وخارج السودان وكان في ذلك الزمان يطلقون علي كل موظف متعلم  لقب  (افندي) واظنها  مفرده تركيه  ]
ثم ياتي بعده  دكان   الامين نوري    ثم دكان حسين البوب 
ودكان   سعد الدين عبد المطلب من   ( ارقي )
يليه دكان   الزعيم محمد احمد هاشم 
ثم اخر الصف دكان   عبد الله بشاره  ( مؤجر كمخزن لعبده علي ابوشام ) 
ومن ثم المخرج المؤدي الي مكتب البريد وقنتي بحري _____

[ راجع المعلومات 
  علي حسن محجوب ] ورغما عن ذلك ربما اكون  قد وقعت في بعض الاخطاء الغير مقصوده  لاعتمادي علي ذاكره  هرمه ~~
فعزرا  جميلا حتي ترضوا ~~

 تتوسط  السوق  برندة   الفريشه بعرض  ١٥ متر وطول ٢٠ مترا تقريبا ويعرض فيها كل شي  الخضروات بانواعها  والفاكهة في مواسمها وبعض التمور التي تنضج باكرا  والملابس وادوات الزينة  وادوات العطاره  وفيها مكان مخصص للحلاقة والحداده 
 وشرقا منها تقع الجزارة وهي  بعرض ١٠ متر وطول  ١٥  مترا تقريبا    مبنية من الطوب الاحمر ومسقوفه بالزنك ومسورة بارتفاع متر ونصف ولها باب واحد من جهة الشرق وتتوزع طرابيز الجزارين علي جنباتها وفيها يباع لحم الضان والابقار واحيانا لحم الابل ~   
وبين الجزارة ومظلة القريشه تتواجد مجموعة من الرواكيب   
فيها مجموعه من الرجال  والنساء الباحثات عن لقمة العيش    ويبعن  الطعام    والبليلة والزلابية  والشاي     والفول السوداني واشياء اخري ~
اما الرجال يبعون 
     القمح  والبصل   والحبال بانواعها   
   اذكر  في بعض الشهور    كانت ترد  الي السوق كميات كبيره من البطيخ والشمام والموز  من العفاض ومن دائرة السيد علي بمنصوركتي ~
يحضرونها  ليلة السوق  ويكومونها شمال الرواكيب وقد كنا نسرق منها   تحت جنح الظلام    ونذهب خارج السوق   ونتناولها بفرح ونحسب اننا نحسن صنعا .
انها شقاوة الطفوله .      
في وقت لاحق اضيفت للسوق  بعض اكشاك الزنك  عند  مدخله  ممتده من الجنوب الي الشمال يباع فيها  الصحف والمياه الغازيه والاسبيرات       

من  اهم المنشات التي كانت تجاور السوق وهي ____  صهريج الماء المسور شرق السوق  وقد  شيدته  شركة   (يوغسلافيه) 
كاول صهريج في هذه  المنطقه ~
وشرق من الصهريج  توجد مدرسة البنات  الاولية     
 والمسجد العتيق .
وفي جهة الشمال الشرقي للسوق    المدرسه الاوليه للبنين       والمدرسة الثانوية العامه للبنين  ايضا     ونادي حي السوق    اما شمال السوق فهناك  المحكمه الاهليه    وحوش  (الكاره) وهي مربط  للحمير  والبهائم  التي  تخص من   ياتي الي   السوق ~
وفي  الايام العادية تستغل  لحفظ البهائم الضالة مقابل تغريم اصحابها مبلغ من المال   
  وكذلك يوجد  مكتب  البريد (البوسته)   بعد نقله  من  دكان ودبادي _______
  وفي الجنوب الفربي للسوق كانت توجد الحمامات  وبعدها بمسافة الشفخانه وملحق معها منزل المساعد الطبي   والمدرسة  الثانوية العامه للبنات  بداخليتها  ~
جنوب السوق مخبز  الحاج عثمان عيسي ~  
هذا هو محيط سوق الاحد ~~
  لم يقتصر سوق الاحد  علي   البيع والشراء فقط وانما كان بوتقه ثقافية اجتماعيه سياسيه  اقتصاديه ~
ومنتدي  للترفيه     وكسب المعرفه    والاخبار   
  كل ركن فيه  له طعم وعبق خاص وله مرتادوه  فمثلا علي سبيل المثال دكان الافندي كان منتدي قادة البلد    واعضاء المحكمه الاهليه وعلي راسهم العمده ابراهيم بهيبته ووقاره ~
واما  دكان علي حسن محجوب  فكان هو مقصد  المعلمون الوافدون         والمساعد الطبي 
 ومدير المشروع   
وهكذا  قسم السوق الي  اركان  لكل منه  خصوصيته     [ سوف افصل  في هذا الامر لاحقا ]
      وكما  للسوق اماكن مميزه  ايضا  كان هنالك اشخاص مميزون       وعلامة بارزه وحضور انيق داخل السوق ~
  وقد اخترتهم       ايقونات للسوق  وطعمه   الاخاذ  منهم علي  سبيل المثال ~~~ 
اخونا الكبير  
حمدنا الله  او (حمد الله)  كما نقول له      
 هذا الفتي المعروف نقي القلب   
صافي النيه 
نظيف الثياب احسبه من اهل الله وقد تجدون في  اسمه حمدا  لله وشكرا  
هكذا  اسموه اهله  ( حمدنا الله)  ودللوه ب (حمد الله ) 
وهو  انسان سائح  منداح  ببركة الله لاحدود للمكان عنده ولا اهمية للزمن بالنسبة له وهو كفراشة حائره يدخل بعض البيوت من دون استاذان ملم بكل علاقات الناس وانسابهم ~ 
مرحبا به في كل وقت وحين 
كان حضورا زاهي  بين ردهات السوق يناجي نفسه مبتسما يحب الهدوء يكره الضوضاء ~
تراه متلالا الجبين كانه عابدا في محرابه ~
والثاني  هو عمنا ____ ( البشير  الختمي)
صاحب السجع الجميل  والكلام  المدوزن والحضور الانيق والقلب الابيض الخالي من الغرض محبوبا حيث ما حل ~
دائما    محلقا كالغيمة  فوق سماء  السوق  وازقة القرية  كان مطرا    للبسمات والضحكات  اينما    وصل هو   بشير فرح ومحبه        ~~         
        هناك  ايضا اخرون  
 وصلوا  الي السوق   كطيور مهاجره لا ندري من اين اتوا   طاب لهم المقام هنا فحطوا رحالهم وكانوا اسماء محفوظه  في سجل السوق ولهم بصمتهم الواضحة    (سوف   نسبر غورهم في قادم الايام  ما استطعنا  لذلك سبيلا )
   
   ظل سوق الاحد بسحره ورونقه  صفحة من صفحات تاريخ جزبره قنتي  الضارب في القدم  مكتظا بالحكايات ومحشودا بالذكريات  ~ 
كان سريع النمو  وفي تطور مضطرد    حتي ضربه     فيضان العام ١٩٨٨م  الذي  اوقف كل مافيه من خير  وجمال واتلف جزء من  هذه الصفحة التي لم يتبقي منها  الا  ذكري  مشوشه نحاول  لملمتها بقدر ما نستطيع لصالح اجيال لاحقه  ______   ان استطعنا فلله الحمد والمنه ~  والا فليكن لنا اجر الاجتهاد ~~~

 والي ان نلتقي 
   للحكاية  بقيه ~~ 

ختاما _______
           تعالوا نغني 

ايامنا الزمان يا حليلن 
شاربات من هداوة الريف
وارثات الجمال من نيلن 
عامرات في ليالي الصيف
عاد لمتين نعود نمشيلن
نسيب بلد الخداع والزيف ______

احمد محمد مكاوي 
ابريل __ ٢٠٢٠م

تردد قناة كراميش الجديد 2022

  تردد قناة كراميش 2022 الجديد القمر الصناعي: النايل سات. تردد القناة: 11430 معدل الاستقطاب: عمودي V. معدل الترميز: 27500. معامل تصحيح الخطأ...